عبد القادر الجيلاني

20

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

فالنّفس توسوس في دائرة الشّريعة من المخالفات ، وفي دائرة الطّريقة من الموافقات تلبيسا كدعوى النّبوة والولاية ، وفي دائرة المعرفة من الشّرك الخفيّ من النّورانيّات كدعوى الرّبوبيّة كما قال تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ . . . [ الجاثية : الآية 23 ] . وأمّا دائرة الحقيقة فلا مدخل فيها للشّيطان والنّفس ولا الملائكة ، لأنّ غير اللّه تعالى يحترق فيها كما قال جبرائيل عليه السّلام : « لو دنوت أنملة لاحترقت » « 1 » ، فيخلص العبد عندئذ من الخصمان النّفس والشّيطان ، فيكون مخلصا كما قال اللّه تعالى : . . . فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 83 ) [ ص : الآيتان 82 ، 83 ] ومن لم يصل إلى الحقيقة لم يكن مخلصا ؛ لأنّ الصّفات البشريّة لا تفنى إلّا بتجلّي الذّات ، ولا ترتفع الجهوليّة إلّا بمعرفة الذّات سبحانه وتعالى ، فيعلّمه اللّه بلا واسطة من لدنه علما لدنيّا فيعرفه بتعريفه ، ويعبده بتعليمه كالخضر عليه السّلام . وهناك يشاهد الأرواح القدسيّة ، ويعرف نبيّه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فتنطبق نهايته إلى بدايته ، والأنبياء يبشّرونه بالوصال الأيديّ كما قال اللّه تعالى : . . . وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [ النّساء : الآية 69 ] . فمن لم يصل بهذا العلم لم يكن عالما في الحقيقة ولو قرأ ألف ألف من الكتب بحيث لا يبلغ إلى الرّوحانيّة « 2 » . فعمل الجسمانيّة بظاهر العلوم جزاؤه الجنّة فقط ، وتجلّي عكس الصّفات بثمّة ، فالعالم لا يدخل بمجرّد علم الظّاهر إلى حرم القدس والقربة ؛ لأنّه عالم الطّيران ، والطّير لا يطير إلّا بجناحيه ، فالعبد الّذي يعلم العلمين : الظّاهر والباطن يصل إلى ذلك العالم كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « يا عبدي إذا أردت أن تدخل حرمي فلا تلتفت إلى الملك والملكوت والجبروت ، لأنّ الملك شيطان العالم ، والملكوت شيطان العارف ، والجبروت شيطان الواقف ، من رضي بأحد منها فهو مطرود عندي » « 3 » . والمراد منه مطرود القرية لا مطرود الدّرجات ، وهم يطلبون القربة ولا يصلون إليها ؛ لأنهم طمعوا غير مطمع ، لأنّ لهم جناحا واحدا ، ولأنّ لأهل القربة

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) انظر : إتحاف السادة المتقين للمرتضى الزبيدي ( 10 / 44 ) . ( 3 ) لم أقف عليه .